زراعة الأسنان

فقدان العظم حول الغرسة السنية: إعادة تشكّل طبيعية أم مشكلة؟

الكاتب: تاريخ النشر:
طبيب يحلّل صورة أشعة

من المتوقع أن يحدث بعض التغيّر في العظم حول عنق الغرسة السنية خلال السنة الأولى، ويُسمّى ذلك إعادة التشكّل العظمي الفيزيولوجية (remodeling)، ولا يعدّه إجماع EFP/AAP مرضًا. أما ما يدعو إلى القلق فهو الفقدان التدريجي الذي يتجاوز هذا التغيّر الأولي ويستمر لسنوات، ويرافقه عادةً نزف اللثة وازدياد عمق السَّبر (probing). والطريقة الموثوقة الوحيدة للتمييز بين الحالتين هي مقارنة صورة الأشعة الأساسية المأخوذة عند تركيب التعويض بصور أشعة المتابعة اللاحقة.

النقاط الأساسية

  • انخفاض مستوى العظم قليلًا في السنة الأولى لا يعني «ذوبان» الغرسة؛ ويختلف مقداره بحسب تصميم الغرسة وسماكة اللثة والبروتوكول الجراحي.
  • وفقًا للإجماع، إذا لم تتوفر صورة أشعة سابقة، فإن مستوى عظم أدنى بمقدار 3 mm أو أكثر من الحافة العلوية للجزء المغروس في العظم من الغرسة + نزفًا عند السَّبر يرجّحان التهاب ما حول الغرسة.
  • في التحليلات التجميعية (meta-analyses)، حافظ Platform-switching (أي أن تكون الدعامة أضيق من الغرسة) على عظم العنق بمقدار 0,4–0,6 mm أكثر في المتوسط.
  • ترتبط اللثة الرقيقة (2 mm أو أقل) بفقدان عظم أكبر في السنة الأولى.
  • لا يوجد ألم عادةً؛ لذلك تبقى أشعة المتابعة مهمة حتى في غياب الأعراض.

لن نكرر هنا كيف تلتحم الغرسة بالعظم، فهذا ما يشرحه مقال ما هي الغرسة السنية. السؤال هنا أضيق: ماذا يعني قول «انخفض العظم قليلًا» في صورة أشعة المتابعة، ومتى يجب القلق؟

إعادة التشكّل الفيزيولوجية: ماذا يحدث في السنة الأولى؟

بعد وضع الغرسة وتحميلها بالتعويض، يتكيّف العظم في منطقة عنق الغرسة مع الوضع الجديد. فلكي تلتصق اللثة بالغرسة، يبني الجسم «حزامًا» من الأنسجة الرخوة بارتفاع معيّن؛ وإن لم يتوفر مكان لهذا الحزام، يتراجع العظم ليفسح له المجال. وهذا ما يُسمّى إعادة التشكّل الفيزيولوجية.

يذكر تقرير الإجماع الصادر عن الورشة العالمية لـ EFP/AAP لعام 2017 (Berglundh وزملاؤه، 2018) ذلك صراحةً: درجة إعادة التشكّل الفيزيولوجية بعد وضع الغرسة متفاوتة، وهي بالذات ما يحدد مستوى العظم المتوقع حول الغرسة السليمة؛ ويتوقف مقدارها على عدد من العوامل الموضعية والجهازية. ويوصي التقرير نفسه الطبيبَ بصورتَي أشعة: الأولى عند اكتمال التعويض (الصورة الأساسية)، والثانية بعد فترة التحميل، لتسجيل المستوى بعد انتهاء إعادة التشكّل بوصفه «نقطة مرجعية». وتُجرى جميع المقارنات اللاحقة استنادًا إلى هذه الصورة الثانية.

ويتضمن الإجماع تنبيهًا أيضًا: فقدان العظم الواسع خلال فترة إعادة التشكّل قد يكون كذلك علامة على التهاب ما حول الغرسة بدأ في تلك الفترة نفسها. أي أن عبارة «إنها السنة الأولى، والأمر طبيعي» لا تصح إلا إذا كان الفقدان محدودًا ولم تظهر علامات التهاب.

مستوى العظم عند عنق الغرسة: مقارنة بين إعادة التشكّل الفيزيولوجية والفقدان التدريجي على اليسار: تغيّر عظمي محدود يستقر بعد السنة الأولى. على اليمين: فقدان على شكل صحن (فوهة) يستمر لسنوات مع لثة ملتهبة.

الفقدان المرضي: متى يُعدّ «مشكلة»؟

الاسم السريري للفقدان التدريجي هو التهاب ما حول الغرسة (peri-implantitis). ويشترط التعريف الذي يقترحه تقرير الإجماع للممارسة اليومية اجتماع ثلاثة شروط معًا: نزف و/أو قيح عند السَّبر اللطيف؛ وازدياد عمق السَّبر مقارنةً بالفحص السابق؛ وفقدان عظم يتجاوز إعادة التشكّل الأولية.

وإذا لم تتوفر صورة أشعة سابقة (مثلًا إذا وُضعت الغرسة في مكان آخر ولم تكن الوثائق متاحة)، يقدّم الإجماع معيارًا آخر: نزف/قيح عند السَّبر + عمق سَبر 6 mm أو أكثر + مستوى عظم أدنى بمقدار 3 mm أو أكثر من أعلى نقطة في الجزء المغروس في العظم من الغرسة. أما في الدراسات الوبائية فيوصى بأخذ خطأ القياس (0,5 mm في المتوسط) بعين الاعتبار، أي أن الفروق بمقدار 0,3–0,5 mm لا تعني شيئًا بمفردها.

الجدول الأساسي الذي يميّز بين الحالتين:

المعيارإعادة التشكّل الفيزيولوجيةالفقدان التدريجي (المرضي)
التوقيتفي السنة الأولى أساسًا، ثم يستقريستمر لسنوات
الشكل في الأشعةصغير، مستوٍ أو على شكل صحن خفيففوهة تزداد عمقًا، وأحيانًا في جهة واحدة
النزف عند السَّبرغير موجودموجود، وأحيانًا مع قيح
عمق السَّبرثابتيزداد
اللثةهادئةمحمرّة أو متورمة أو منحسرة
ما العملالاحتفاظ بالأشعة المرجعية والمتابعةتحديد السبب والبدء بالعلاج

علاج التهاب ما حول الغرسة نفسه ليس موضوع هذا المقال؛ فقد شُرح على حدة في مقال ما هو التهاب ما حول الغرسة. أما تقلقل الغرسة والألم وغيرها من العلامات الجدية، فلها مقال علامات فشل الغرسة السنية.

العوامل المؤثرة في فقدان العظم

Platform-switching وتصميم الوصلة

Platform-switching يعني أن تكون الدعامة (abutment) أضيق قليلًا من المنصة العلوية للغرسة. ونتيجة لذلك تنتقل الوصلة بين الغرسة والدعامة (الفجوة الدقيقة والبكتيريا المتراكمة فيها) إلى الداخل بعيدًا عن حافة العظم. وقد بيّن تحليلان تجميعيان ذلك بالأرقام: في مراجعة Atieh وزملائه عام 2010 (10 دراسات، 1239 غرسة) كان فقدان العظم الحافي في غرسات Platform-switching أقل بمقدار 0,37 mm في المتوسط مقارنةً بالغرسات ذات المنصة المتطابقة، ولم يُعثر على فرق من حيث فقدان الغرسات. وفي مراجعة Annibali وزملائه عام 2012 (10 دراسات عشوائية، 435 مريضًا، 993 غرسة) بلغ الفرق 0,55 mm على مستوى المريض، ولم يُعثر كذلك على فرق في معدل نجاح الغرسات. أي أن Platform-switching لا «ينقذ» الغرسة، لكنه يحافظ على عظم العنق بشكل أفضل قليلًا. وقد قورنت أنواع الوصلات في الأنظمة المستخدمة في العيادة في مقال أنظمة الغرسات.

سماكة اللثة

إذا كانت اللثة رقيقة، فإن المكان اللازم لـ«حزام» الأنسجة الرخوة الذي ذكرناه أعلاه يُفسح على حساب العظم. ففي دراسة استباقية مضبوطة لمدة سنة واحدة أجراها Linkevicius وزملاؤه (19 مريضًا، 46 غرسة)، سُجّل في المواضع ذات اللثة بسماكة 2 mm أو أقل فقدانُ عظم عند عنق الغرسة يصل إلى 1,45 mm في السنة الأولى؛ بينما كان الفقدان في المواضع ذات اللثة السميكة أقل من 0,3 mm. ولهذا السبب أيضًا يُناقش تسميك اللثة في المنطقة الأمامية، والموضوع مشروح في مقال جماليات اللثة حول الغرسة.

وضع الغرسة وعمقها

في الغرسة الموضوعة بشكل سطحي جدًا يبرز السطح الخشن تحت اللثة؛ أما في الغرسة الموضوعة بعمق زائد فإن إعادة التشكّل «تستهلك» مزيدًا من العظم. كما أن وضع الغرسة قريبًا جدًا من السن المجاورة أو من غرسة ثانية يؤدي إلى فقدان قمة العظم بينهما. وهذه القواعد مذكورة في مقال الوضع ثلاثي الأبعاد للغرسة.

التعويض والإسمنت المتبقي

الإسمنت المتبقي تحت اللثة يوفّر سطحًا للبكتيريا؛ ويذكره تقرير الإجماع ضمن العوامل المرتبطة بالتهاب ما حول الغرسة ذات الأدلة المحدودة. أما بشأن مستوى العظم، فقد قدّم التحليل التجميعي لـ Lemos وزملائه عام 2016 (20 دراسة، 8989 غرسة، متوسط المتابعة 65 شهرًا) نتيجة لافتة: كان فقدان العظم الحافي في التعويضات المثبتة بالإسمنت أقل بمقدار 0,19 mm في المتوسط مقارنةً بالتعويضات المثبتة باللولب. أي أن نوع التركيب لا يحدد مصير العظم بمفرده؛ فالأهم هو تنظيف الإسمنت بشكل صحيح وشكلٌ يسمح بالعناية الصحية. للتفاصيل: التعويض المثبت باللولب أم بالإسمنت.

الحِمل وصرير الأسنان

يزيد حِمل المضغ المفرط، ولا سيما لدى من لديهم عادة الضغط على الأسنان، من الإجهاد على عنق الغرسة. ويرى تقرير الإجماع أن كون الحِمل الإطباقي مؤشرَ خطر لالتهاب ما حول الغرسة «لم يُحدَّد بعد»؛ أي أن العلاقة مشتبه بها لكنها غير مثبتة. أما في الممارسة، فإن شكل التاج والجبيرة الليلية (الواقي الليلي) يصبحان جزءًا من الخطة لدى المريض المصاب بصرير الأسنان.

الالتهاب والعوامل العامة

البلاك (اللويحة الجرثومية) هو السبب الرئيسي؛ أما التدخين والسكري غير المضبوط وسوابق التهاب دواعم السن بوصفها عوامل تسرّع فقدان العظم، فقد شُرحت في مقال التدخين والسكري ونتيجة الغرسة.

كيف تُجرى المتابعة بالأشعة؟

يُقاس مستوى العظم بالأشعة الذروية داخل الفم؛ أما الأشعة البانورامية (OPG) والأشعة المقطعية ثلاثية الأبعاد (CBCT) فهي أقل دقة لهذا الغرض (ولا تُضاف الأشعة ثلاثية الأبعاد إلا عند الحاجة إلى رؤية شكل الفوهة). وللمتابعة الصحيحة:

  1. الأشعة الأساسية: في يوم تركيب التعويض.
  2. الأشعة المرجعية: بعد نحو سنة من التحميل؛ حين تُعدّ إعادة التشكّل منتهية.
  3. أشعة المتابعة: بفاصل زمني يحدده الطبيب (فردي بحسب عوامل الخطر)؛ وتُلتقط في كل مرة بالزاوية نفسها وبتقنية التوازي، لتمكن مقارنة المليمترات.

وإلى جانب الأشعة، يُسجَّل في كل زيارة متابعة عمق السَّبر والنزف، لأن اللثة «تُنذر» قبل أن يظهر فقدان العظم في الأشعة. وهذا الروتين مفصّل في مقال العناية طويلة الأمد بعد زراعة الأسنان. وعند التخطيط لـزراعة الأسنان، يُعدّ التقاط الأشعة الأساسية وحفظها خطوة قياسية في العيادة، إذ لا تمكن المقارنة اللاحقة إلا بها.

متى يجب القلق؟

راجعوا طبيب الأسنان قبل الموعد المحدد إذا:

  • كانت اللثة حول الغرسة تنزف أو تتورم أو يخرج منها قيح؛
  • انحسرت اللثة وأصبحت أسنان لولب الغرسة ظاهرة؛
  • ظهر انزعاج في تلك المنطقة عند التفريش أو مع الماء البارد (الغرسة نفسها لا تحسّ، لكن اللثة الملتهبة تحسّ)؛
  • تغيّر مستوى العظم بوضوح في أشعة المتابعة مقارنةً بالسابقة؛
  • كان التاج يتحرك أو كان اللولب يرتخي بشكل متكرر.

غياب الألم ليس مطمئنًا، فالتهاب ما حول الغرسة قد يسير دون ألم لفترة طويلة. لذلك فإن الرسالة الأساسية لهذا المقال بسيطة: احتفظوا بصور الأشعة، واحضروا مواعيد المتابعة، ولا تتجاهلوا النزف.

الأسئلة الشائعة

أول سنّ من لولب الغرسة ظاهر في الأشعة. هل يعني ذلك فقدان الغرسة؟ لا، ليس بمفرده. ففي كثير من تصاميم الغرسات قد يتراجع العظم خلال السنة الأولى حتى السن الأول من اللولب ثم يبقى ثابتًا. المهم هو التطور: إذا بقي المستوى نفسه في الأشعة التالية وكانت اللثة هادئة، يُعدّ ذلك إعادة تشكّل.

هل يعود العظم المفقود؟ العظم المفقود بإعادة التشكّل الفيزيولوجية لا يُستعاد، لكنه يبقى ثابتًا. أما في الفقدان من نوع الفوهة المرتبط بالتهاب ما حول الغرسة، فيمكن في بعض الحالات بعد إيقاف الالتهاب استعادته جزئيًا بطرق تجديدية؛ ويتوقف ذلك على شكل الفقدان، وهو موضوع علاجي مستقل.

إذا اخترت غرسة Platform-switching، هل لن أفقد أي عظم؟ تُظهر التحليلات التجميعية فرقًا بنحو نصف مليمتر في المتوسط؛ أي أنه ليس «فقدانًا صفريًا» بل فقدانًا أقل. وسماكة اللثة والوضع والعناية الصحية مهمة بالقدر نفسه.

كم مرة يجب أن أُجري صورة أشعة؟ في الغرسة المستقرة ومع خطر منخفض يكون الفاصل أطول، ويكون أقصر عند وجود نزف أو تدخين أو سوابق التهاب دواعم السن. ويحدد الطبيب الفاصل المحدد بحسب نتائج الفحص في المتابعة؛ ولا يوجد رقم قياسي عام.

هل تكفي الأشعة البانورامية؟ نعم للنظرة العامة، ولا لمقارنة المليمترات. فلمتابعة مستوى العظم تُستخدم الأشعة داخل الفم الملتقطة بتقنية التوازي.

الخلاصة

التغيّر العظمي المحدود عند عنق الغرسة في السنة الأولى هو إعادة تشكّل، وهو وفقًا للإجماع جزء من الحالة السليمة؛ أما الفقدان التدريجي المصحوب بالنزف وازدياد عمق السَّبر فهو التهاب ما حول الغرسة. ولا يمكن التمييز بينهما إلا بالأشعة الأساسية والمتابعة المنتظمة. يساعد Platform-switching واللثة السميكة والوضع الصحيح والتعويض الخالي من الإسمنت أو المنظّف منه جيدًا على حماية العظم، لكن أيًّا منها لا يغني عن المتابعة. ولتقييم حالتكم الفردية، من المفيد إحضار صور الأشعة السابقة معكم إلى الاستشارة.

المصادر

  1. Peri-implant diseases and conditions: Consensus report of workgroup 4 of the 2017 World Workshop on the Classification of Periodontal and Peri-Implant Diseases and ConditionsJournal of Clinical Periodontology, 2018 (EFP)
  2. Platform switching for marginal bone preservation around dental implants: a systematic review and meta-analysisJournal of Periodontology, 2010
  3. Peri-implant marginal bone level: a systematic review and meta-analysis of studies comparing platform switching versus conventionally restored implantsJournal of Clinical Periodontology, 2012
  4. The influence of soft tissue thickness on crestal bone changes around implants: a 1-year prospective controlled clinical trialInternational Journal of Oral and Maxillofacial Implants, 2009
  5. Evaluation of cement-retained versus screw-retained implant-supported restorations for marginal bone loss: A systematic review and meta-analysisJournal of Prosthetic Dentistry, 2016

هذه المقالة للمعلومات العامة فقط، ولا تُغني عن التشخيص أو الفحص أو العلاج الفردي. استشيروا الطبيب لاتخاذ القرار المناسب لحالتكم.